مستقبل العافية وطول العمر في استثمارات السياحة

مع استمرار تطور أنماط الحياة والعافية، تحولهما إلى محركين أساسيين لقطاع السفر العالمي، فيما ينظر المستثمرون اليوم إلى العافية باعتبارها فئة استثمارية واعدة في قطاعي العقارات والضيافة.

في إطار الاستعداد لقمة مستقبل الضيافة FHS World 2026، التي تركز على نمط الحياة والعافية ضمن محاورها الرئيسية، يستعرض عدد من الخبراء رؤاهم حول الاستثمار في هذا القطاع، وتوقعات المسافرين، والمفاهيم السائدة في السوق، ومستقبل سياحة طول العمر، وغيرها من الموضوعات.

ويشارك في هذه الرؤى كل من: أميت أرورا، الرئيس التنفيذي للعمليات لقطاعي الضيافة والترفيه في شركة أرادا (Arada)؛ وجوردي سانشيس، المدير الأول للتطوير في الشرق الأوسط لدى شركة ميليا هوتيلز إنترناشيونال (Meliá Hotels International)؛ وكريستوفر ساندرسون، الشريك المؤسس لشركة ذا فيوتشر لابوراتوري (The Future Laboratory)؛ ووائل الشريف، المدير العام الإقليمي لشركة ذا تورش للضيافة (The Torch Hospitality).

العافية وطول العمر.. من توجه متخصص إلى فئة استثمارية

مع تزايد اهتمام المستثمرين بعلوم طول العمر والرعاية الصحية الوقائية، هل يمكن أن تصبح هذه المجالات ركائز موثوقة لقطاع الضيافة، أم أنها لا تزال تُعد قطاعات متخصصة إلى حد ما؟ ومن منظور المالك أو المستثمر، هل تمثل العافية عاملًا لتعزيز الإيرادات أم فئة استثمارية مستقلة؟

يرى أميت أرورا، الرئيس التنفيذي للعمليات لقطاعي الضيافة والترفيه في شركة أرادا، أن العافية تطورت لتصبح محركًا أساسيًا لتجربة السفر العالمية، وأن المستثمرين ينظرون إليها اليوم باعتبارها فئة مستقلة وذات جدوى اقتصادية مرتفعة في قطاعي العقارات والضيافة.

ويقول: «تغيرت توقعات الضيوف أيضًا، لتتجه نحو منظومة متكاملة تندمج فيها العافية مع تحسين جودة النوم، والتغذية الوظيفية، والبرامج المتوافقة مع الإيقاعات الحيوية للجسم».

ويضيف: «في فندق ومساكن أكالا (Akala Hotel and Residences)، تستفيد أرادا من هذا التحول عبر ريادة نموذج متعدد الاستخدامات يجمع بين الضيافة فائقة الفخامة والرعاية الصحية الوقائية والتشخيص الدقيق والعلاجات المتقدمة. ومن خلال التعامل مع العافية باعتبارها نهجًا تشغيليًا متكاملًا، يمكن للملاك تحقيق متوسط أسعار يومية مرتفع للغرف (ADR)، وتعزيز القيمة الدائمة للعملاء».

ويشارك جوردي سانشيس، المدير الأول للتطوير في الشرق الأوسط لدى ميليا هوتيلز إنترناشيونال، هذا الرأي، مشيرًا إلى أن العافية لم تعد تقتصر على المنتجعات الصحية أو الاسترخاء.

ويقول: «يتعلق الأمر بمساعدة الضيوف على العيش بصورة أفضل، ولمدة أطول، وبقدر أكبر من التوازن. وستصبح علوم طول العمر ركيزة موثوقة بصورة متزايدة، لا سيما في قطاعي الضيافة الفاخرة والراقية، لكنها ستعزز الضيافة ولن تحل محلها. ومن منظور المالك، تمثل العافية اليوم عاملًا لتعزيز الإيرادات وخلق قيمة طويلة الأجل، كما أنها تتطور في بعض الوجهات إلى فئة استثمارية مستقلة، خصوصًا عند دمجها في المشاريع متعددة الاستخدامات والمساكن ذات العلامات التجارية».

العافية تحقق عوائد استثمارية.. وفقًا للخبراء

يرى الخبراء أن العافية تحقق نتائج قوية على صعيد العوائد الاستثمارية. ويوضح كريستوفر ساندرسون، الشريك المؤسس لشركة ذا فيوتشر لابوراتوري، أنه رغم صعوبة الحصول على بيانات تفصيلية على مستوى الفنادق، فإن النتائج المتاحة تشير إلى تفوق المنشآت التي تقدم خدمات عافية متقدمة.

ويقول: «أظهر تحليل أجرته شركتا RLA Global وHotStats في عام 2025، وشمل أكثر من 12 ألف فندق، أن المنشآت التي تقدم خدمات عافية رئيسية حققت في عام 2024 إيرادات إجمالية لكل غرفة متاحة تزيد على الضعف مقارنة بالفنادق التي لا تقدم هذه الخدمات. كما تتوقع UBS تحقيق عوائد على حقوق الملكية أعلى من المتوسط في قطاع طول العمر خلال هذا العقد. فالفخامة التقليدية تسعى إلى زيادة الإشغال، بينما تميل العافية إلى تعزيز هذا الإشغال بصورة تراكمية».

من جانبه، يرى وائل الشريف، المدير العام الإقليمي لشركة ذا تورش للضيافة، أن العافية تمثل عاملًا قويًا لتعزيز الإيرادات في الأصول القائمة، كما أنها تبرز باعتبارها فئة استثمارية مستقلة.

ويقول: «تفرض مرافق الترفيه الحديثة المخصصة أسعارًا مرتفعة، في حين تسهم مرافق العافية المتكاملة أيضًا بصورة كبيرة في تحسين أداء الفنادق التقليدية ورفع قيمتها».

أين تتركز القيمة الأكبر في سياحة العافية؟ وما المؤشرات التي تثبت الأداء؟

يرى أميت أرورا أن تحقيق القيمة المثلى يكمن في التكامل بين الضيافة والبرامج المتكاملة لنمط الحياة، خصوصًا ضمن مشاريع العقارات المخصصة للعافية ومتعددة الاستخدامات، التي تحقق عوائد مرتفعة.

ويقول: «تعمل المنتجعات الصحية التقليدية عادةً وفق هوامش ربح مرتبطة بالعلاجات المحلية، بينما تسهم منظومة الوجهة المتكاملة في تعزيز أداء الأصل بأكمله. وفي مفهوم رائد مثل أكالا، تتحقق القيمة من خلال الجمع بين الضيافة الفاخرة والبنية التحتية للعافية الطبية، بما يخلق تفاعلًا قويًا مع شريحة العملاء الميسورة، ويتيح نقاط تواصل متعددة على مدار المواسم».

ويضيف: «يجب ألا يقتصر تقييم الأداء على المؤشرات التقليدية، مثل الإيرادات لكل غرفة متاحة (RevPAR)، بل ينبغي أن يشمل مؤشرات الأداء الرئيسية على مستوى المنظومة بأكملها، مثل إجمالي الإيرادات لكل غرفة متاحة (TRevPAR)، ومعدلات استفادة الضيوف من خدمات العافية، والاحتفاظ بالعملاء والقيمة الدائمة لهم (LTV)».

ويرى كريستوفر ساندرسون أن القيمة تبدأ في التبلور عندما تتجاوز الضيافة نموذجها التقليدي، وتصبح عضوية الوصول إلى الخدمات هي مصدر الهامش الربحي، بدلًا من الغرفة وحدها.

ويقول: «يفرض نادي سورين (Surrenne) الخاص بالأعضاء في فندق ذا إيموري (The Emory) في لندن رسومًا سنوية قدرها 10 آلاف جنيه إسترليني، إضافة إلى رسم انضمام بقيمة 5 آلاف جنيه إسترليني، مقابل الوصول إلى خدمات طول العمر. ومع ذلك، تُظهر بيانات RLA Global وHotStats لعام 2025 أن الفنادق التي تقدم خدمات عافية محدودة، وليس المنتجعات الضخمة القائمة على المنتجعات الصحية، سجلت أقوى نمو في الإيرادات لكل غرفة متاحة (RevPAR). وتُعد أدوات التشخيص، وليس الديكور، عاملًا حاسمًا. وفي هذه المرحلة المبكرة من تطور قطاع طول العمر، فإن القدرة على تقديم إطار بسيط لطول العمر هي المقياس الأهم».

طول العمر.. التطور الطبيعي للعافية

عندما سُئل الخبراء عما إذا كان طول العمر يمثل الحدود الجديدة للقطاع، أم أنه مجرد إعادة تسمية للعافية، يرى جوردي سانشيس أن طول العمر يمثل التطور الطبيعي للعافية، لكنه ينبغي أن يظل إنسانيًا ومتاحًا ومتمحورًا حول نمط الحياة.

ويضيف أن «الضيافة لا ينبغي أن تتحول إلى بيئة سريرية، بل يجب أن تهيئ أجواء تشجع على الحياة الصحية والتواصل والحركة والتعافي. ومع تزايد الوعي بأهمية الوقاية، ستصبح الضيافة المستلهمة من مفهوم طول العمر أكثر انتشارًا».

ويقول وائل الشريف من شركة ذا تورش للضيافة: «يمثل طول العمر تطورًا حقيقيًا، وليس مجرد إعادة تسمية، وسيصبح مع مرور الوقت توجهًا سائدًا. فالعافية التقليدية توفر الاسترخاء ومكاسب لياقة مؤقتة، بينما يقدم طول العمر تحسينًا صحيًا قابلًا للقياس من خلال تتبع المؤشرات الحيوية، والتغذية الشخصية، وعلوم النوم، والرعاية الصحية الوقائية. ومع تقدم السكان في السن وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، ستصبح سياحة طول العمر الوقائية توجهًا سائدًا. وهي تنتقل من كونها رفاهية فاخرة إلى ضرورة صحية».

توقعات المسافرين تتجاوز المنتجعات الصحية التقليدية

شهدت توقعات المسافرين من تجارب الإقامة المخصصة للعافية تغيرًا كبيرًا خلال السنوات القليلة الماضية. فقبل خمس سنوات فقط، كان العرض الأساسي للعافية يقتصر على مركز لياقة بدنية تقليدي وقائمة عامة من خدمات المنتجعات الصحية. أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة كبيرة، وفقًا لخبراء القطاع.

ويقول وائل الشريف إن المسافر اليوم يتوقع برنامجًا متكاملًا يركز على النتائج، ويجمع بين الصحة النفسية والجسدية والتغذية، مع تتبع البيانات الشخصية. وهو ما يتجاوز بكثير قائمة خدمات المنتجعات الصحية التقليدية، نحو رحلة صحية مصممة بعناية، وتهدف إلى إحداث تحول خلال فترة الإقامة.

من جانبه، يرى أميت أرورا أن المسافر الميسور في المستقبل سيطلب تخصيصًا قائمًا على البيانات وبرامج مصممة وفق احتياجاته بدرجة عالية من الدقة.

ويشير إلى أن الضيوف المعاصرين يتوقعون بروتوكولات متقدمة لتحسين الإيقاع اليومي والساعة البيولوجية بهدف تعزيز النوم، وتغذية وظيفية مصممة لتلبية الاحتياجات الأيضية، ومساحات استباقية للتخفيف من التوتر.

ويضيف: «والأهم من ذلك، أنهم يطلبون المرونة والاستقلالية في اختيار تجاربهم؛ إذ قد يرغب الضيف في الخضوع لجلسة مكثفة للتعافي وتحسين الأداء في الصباح، وإجراء علاجات متقدمة بالبلازما الغنية بالصفائح الدموية (PRP)، ثم الاستمتاع بتجربة طهي عالمية المستوى في المساء، دون الشعور بأنه مقيد ببروتوكول سريري صارم».

الأصالة والثقافة المحلية في مواجهة الحلول التقنية

ما مدى أهمية الأصالة والثقافة المحلية مقارنة بالحلول التقنية المتقدمة؟

يرى كريستوفر ساندرسون أن كلا الجانبين يحظى بالأهمية نفسها.

ويقول: «على سبيل المثال، تدمج سونيفا (Soneva) ممارسات الأيورفيدا واليوغا مع العلاج بالتبريد والعلاج بالخلايا الجذعية، لكنها تحرص على الحفاظ على أصالة التجربة من خلال توظيف مدربي يوغا سبق لهم الإقامة في الأشرام (المراكز الروحية الهندية)».

ويضيف: «وفي عيادة SHA في المكسيك، يُجمع العلاج الجيني مع طقوس التيمزكال (temazcal) الشامانية. كما تشير ميا كيريكوس إلى أن تجارب العافية التي تحقق أقوى عوائد هي تلك التي تعتمد على أقل قدر من التكنولوجيا. وكما يقول توماس هاينه من شركة سكوربيوس: الانتماء لا يمكن تعبئته في زجاجة».

من جانبه، يؤكد جوردي سانشيس أن الأصالة تظل عامل التميز الأساسي.

ويقول: «تدعم التكنولوجيا عمليات التشخيص والتخصيص، لكن البعد العاطفي والثقافي هو الذي يخلق أثرًا طويل الأمد. وفي نهجنا تجاه المنتجعات الصحية والعافية في منتجعات باراديسوس (Paradisus)، ندمج التقاليد المحلية والطبيعة والطقوس، بما يضمن ارتباط العافية ارتباطًا عميقًا بالوجهة».

مفاهيم شائعة تحتاج إلى إعادة النظر

يشير الخبراء أيضًا إلى وجود مفاهيم شائعة في سوق الضيافة المخصصة للعافية، من بينها ما يراه وائل الشريف اعتقادًا خاطئًا يتمثل في أن العافية تستهدف النساء أو ترتبط بالترفيه فقط.

ويقول: «تظهر بياناتنا أن نسبة مشاركة الرجال تبلغ 48%، مع تزايد اهتمام المسافرين من رجال الأعمال بمرافق العافية لإدارة التوتر وتحسين الأداء. وتتحول العافية إلى بنية تحتية أساسية للأعمال، وليس مجرد وسيلة للترفيه. وينفق ضيوف العافية مبالغ أكبر بصورة ملحوظة خلال الإقامة، ويعودون بوتيرة أكثر تكرارًا، ويسهمون في تعزيز الوعي من خلال التوصيات الشفهية».

ويرى أميت أرورا أن الضيافة المخصصة للعافية غالبًا ما يُساء فهمها باعتبارها خدمة متخصصة تقتصر على عشاق اللياقة البدنية أو الأشخاص الذين يتبنون أنماطًا صحية صارمة، في حين أن السوق المستهدفة تشمل شريحة المسافرين كافة في قطاع السياحة الفاخرة، نظرًا إلى أن العافية تجربة فردية تختلف من شخص إلى آخر.

ويقول: «قد تعني العافية لمسافر ما اتباع بروتوكول متقدم لطول العمر قائم على التكنولوجيا، بينما قد تعني لمسافر آخر ببساطة توفير بيئة تساعد على الاسترخاء الذهني العميق والراحة. وقد صُمم مفهوم إيناورا (Inaura) لنمط الحياة لدينا لدمج العافية الحركية ضمن نمط الحياة الأوسع في المنشأة. إذ يحدث التحسين الجسدي والذهني بصورة طبيعية خلال فترة الإقامة، بما ينقل العافية من كونها تجربة معزولة في منتجع إلى واقع يومي».

مستقبل العافية وطول العمر في السياحة والاستثمار الفندقي

عند طلب وصف مستقبل سياحة العافية وطول العمر واستثمارات الضيافة في جملة واحدة، يقول أميت أرورا:

«ينتمي المستقبل إلى نموذج متكامل للأصول، لا تُعامل فيه العافية باعتبارها خدمة إضافية، بل تُدمج هيكليًا في تصميم العقارات المخصصة للعافية، والحمض النووي التشغيلي، والقيمة التراكمية طويلة الأجل للوجهة».

أما جوردي سانشيس، فيرى أن المستقبل يتمثل في إنشاء منظومات متكاملة لنمط الحياة، تجمع بين العافية الوقائية والمجتمع وأصالة الوجهة والقيمة العقارية، بما يحقق أداءً طويل الأجل.

ويعتقد كريستوفر ساندرسون أنه في ظل توقعات معهد العافية العالمي (Global Wellness Institute) بنمو سياحة العافية بمعدل 9.1% سنويًا حتى عام 2029، واقتراب قيمة سياحة طول العمر من الضعف، لترتفع من 27 مليار دولار في عام 2024 إلى 44 مليار دولار بحلول عام 2030، فإن المستثمرين الذين لا يزالون يتعاملون مع العافية باعتبارها بندًا محدودًا ضمن خدمات المنتجعات الصحية، بدلًا من كونها أحد أسرع محركات إيرادات الفنادق نموًا خلال هذا العقد، قد يواجهون مخاطر إعادة تهيئة فئة استثمارية ترسخت بالفعل.

ومن وجهة نظر وائل الشريف، تنتقل العافية من كونها خدمة إضافية إلى فئة استثمارية مستقلة، مع إسهام علوم طول العمر الوقائية، وتحسين الصحة الشخصية، والنتائج القابلة للقياس، في تحويل الضيافة من مجرد إقامة مؤقتة إلى بنية تحتية صحية أساسية، بما يدعم تحقيق تقييمات استثمارية مرتفعة من خلال تنويع الإيرادات، وإطالة فترات الإقامة، والاستفادة من العوامل الديموغرافية التي تدفع نمو الطلب المستدام عالميًا.

قمة مستقبل الضيافة FHS World 2026

تُقام قمة مستقبل الضيافة FHS World خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى 1 أكتوبر في مدينة جميرا بدبي، وتتضمن محورًا مخصصًا للعافية، بمشاركة نخبة من القادة والخبراء العالميين في هذا المجال.

وتتناول جلسات المحور مجموعة واسعة من الموضوعات، من بينها:

  • «لماذا يمثل طول العمر الرفاهية القصوى؟»
  • «تحويل العلوم الصحية إلى ضيافة وعقارات».
  • جلسة قيادية بعنوان «بناء الصحة، وليس الفنادق فقط».
  • «بناء الجيل المقبل من المجتمعات الصحية في الشرق الأوسط».

وللاطلاع على جدول الأعمال الكامل، يمكن زيارة الموقع الإلكتروني للفعالية.